دور المستشارين في الوساطة في النزاعات المرتبطة بالرؤى الكونية
تُفهم الوساطة، باعتبارها نوعًا من التفاوض المُساعَد، على أنها عملية معقدة تشمل أطراف الخلاف، وطرفًا ثالثًا (الوسيط/الميسّر)، ومجموعة من “الأطراف الرابعة” التي يمكن أن تؤثر بشكل كبير على مسار ونتائج الوساطة. بعض هذه “الأطراف الرابعة” يعمل كجهات مساهمة بنّاءة، يقدمون الدعم، ويعززون الفهم، ويساعدون على تدفّق التواصل في اتجاهات مثمرة. بينما يعمل آخرون كمعطِّلين، يقوّضون الثقة، ويعرقلون الحوار، ويعيقون التقدّم نحو الحل. ويعتمد تصميم وساطة فعّالة على تحديد هؤلاء الفاعلين مبكرًا، والاستفادة من الدور البنّاء للصنف الأول وتقليل الأثر التخريبي للصنف الثاني.
يُعد المستشارون في الوساطة من بين أكثر “الأطراف الرابعة” تأثيرًا. وعلى الرغم من أن دورهم قد لا يُلاحظ دائمًا، إلا أنهم يضطلعون بدور حاسم في تحديد جودة ونجاح عملية الوساطة. يتجلّى هذا الدور بشكل خاص في سياقات تتسم باختلافات عميقة في الرؤى الكونية، كما تُظهر خبرة معهد قرطبة للسلام بجنيف على مدى عقدين. فدور المستشارين هو دور استراتيجي وعلاقي وتفسيري في آن واحد.
يلعب المستشارون دورًا مهمًا بشكل خاص خلال مرحلة الإعداد، وهي مرحلة حساسة في عملية الوساطة. فقبل بدء الحوار، يحتاج الأطراف غالبًا إلى المساعدة في تحديد ما إذا كانت الوساطة مناسبة ومفيدة لهم. يوجّه المستشارون الأطراف خلال هذا القرار، موضحين هدف الوساطة وبنيتها ومتطلباتها بطريقة ميسّرة. ويساعدون الأطراف على التعبير بدقة أكبر عن احتياجاتهم واهتماماتهم ومظالمهم والمسائل الخلافية، بما يضمن وضوحها أمام الطرف الآخر والوسيط قبل بدء العملية رسميًا.
ويمكن أن يأخذ دور المستشارين أشكالًا مختلفة. فبعضهم يرافق الأطراف إلى فضاء التفاوض، ويقدّم توجيهًا مباشرًا ويساعد في التعامل مع التعقيدات التقنية أو العاطفية أو الثقافية. بينما يعمل آخرون خارج إطار التفاوض الرسمي، فيقدّمون المشورة للأطراف أو للوسيط. وإذا كان تخصصهم في المسائل القانونية، سواء كانت مدنية أو دينية، فإنهم يعملون كمستشارين قانونيين في الوساطة، ويساعدون الأطراف على فهم الأطر المعيارية التي قد تؤثر على التفاوض.
وفي النزاعات المرتبطة بالرؤى الكونية، حيث تكون الهوية والمعتقدات والأطر الأخلاقية في صميم الخلاف، يصبح دور المستشارين أكثر دقة وتعقيدًا. ففي هذه الحالات، يعمل المستشارون كثيرًا كمفسرين ثقافيين، يساعدون في ترجمة المفاهيم والقِيَم والرموز التي قد يُساء فهمها من قِبَل أيّ من الطرفين أو الوسيط. ومن خلال سدّ هذه الفجوات التفسيرية، يقللون من مخاطر سوء التواصل ويسهّلون فهمًا أعمق.
ويدعم المستشارون البعد الإبداعي في الوساطة إلى جانب دورهم التفسيري. فهم يساعدون الأطراف على توسيع آفاق تفكيرهم، والنظر في حلول بديلة، واستكشاف إمكانيات جديدة ربما لم تخطر لهم من قبل. وبهذه الطريقة، يعمل المستشارون كمحفّزين للخيارات الممكنة، مشجعين الأطراف على تجاوز مواقفهم المترسخة والتحرُّك نحو حلول أكثر استدامة.
في نهاية المطاف، يُعد مستشارو الوساطة عنصرًا لا غنى عنه في أي عملية وساطة مُحكمة التصميم. فهم يعززون الوضوح بتوجيهاتهم، ويملؤون الثغرات المعرفية بخبراتهم، ويقوّون بنية الحوار بوجودهم. وفي النزاعات التي تتشكل بفعل رؤى كونية معقدة، حيث قد يتجذّر سوء الفهم، يمكن أن يشكل دعمهم التفسيري والاستراتيجي الفارق بين الجمود والتقدّم. وتُظهر خبرة معهد قرطبة على مدى العشرين سنة الماضية بوضوح أنه عندما يُدمَج المستشارون بفعالية في تصميم الوساطة، فإنهم يساهمون في توفير الظروف اللازمة للتواصل الحقيقي والاعتراف المتبادل والحل المستديم.
للإطلاع على الورقة باللغة الإنجليزية
Abbas Aroua. The Role of Advisers in Mediating Worldview Conflicts. Cordoba Research Papers. Cordoba Peace Institute – Geneva. October 2025.



