سويس إنفو: وسيط السلام بين مقوّمات النجاح ومعضلة الأخلاق
يقتضي عمل وسطاء السلام بين الأطراف المتنازعة، بحكم الضرورة، التحفظ والسرية. فالجهات الوسيطة، وخاصة المنظمات غير الحكومية، لا تفصح كثيراً عما يحدث وراء الكواليس أو عن المعضلات الأخلاقية التي قد يتعين مواجهتها.
15 ديسمبر 2022 – 09:00
جوليا كراوفورد
جوليا صحفية بريطانية كثيرة الاسفار تعمل في الصحافة الإذاعية والمطبوعة، وتختص في الشؤون الإفريقية والعدالة الانتقالية.
وتُعتبَر هذه الجهات الوسيطة جزءاً مهماً من عمل الدبلوماسية السويسرية التي من المحتمل أن تضطلع في نهاية المطاف بدور ما في التوصل إلى إحلال السلام في أوكرانيا.
يقول بيير هزان، كبير المستشارين في مركز الحوار الإنسانيHD Center، الذي يتخذ من جنيف مقرّاً له، متحدثا إلى SWI swissinfo.ch عندما سُئل عن عنوان كتابه رابط خارجي “التفاوض مع الشيطان”، الذي نشره في شهر سبتمبر المنصرم: “عند نشوب أي صراع، هناك ميل حتمي من كل طرف، إلى تجريد الطرف الآخر من إنسانيته. وكثيراً ما نتحدث عن أشخاص قاموا بارتكاب جرائم حرب. ولكن إذا كان الهدف الحد من مدى انعدام الأمن الإقليمي والدولي؟ وإذا كانت الرغبة الوصول إلى استقرار الوضع والمساعدة في إيجاد نوع من التسوية؟ فليس هناك بديل عن التفاوض ولن يكون ذلك بالضرورة مع الأخيار من الناس”.
وعليك أن تدرك، كما يقول هزان، أنه لدى هؤلاء الناس مصالحهم الخاصة، وقد لا يكونون جادين في إحلال السلام، وقد تكون لديهم رغبة في التلاعب بك من أجل تحقيق هذه المصالح.

المُعضلات الأخلاقية
وانطلاقاً من تجربته، يفصح هزان عن وجود معضلات أخلاقية أخرى تواجه عمل الوسطاء. فالمساعدة في إجراء إخلاء آمن للمدنيين من منطقة ما، بغية إنقاذهم مما قد يلحق بهم من الأذى نتيجة الصراع الدائر بين الأطراف المتنازعة، قد تحقق أهداف التطهير العرقي لأحد هذه الأطراف، كما حصل في سوريا على سبيل المثال. وإذا أسفرت المفاوضات عن الإفراج عن ثلث السجناء من معسكر فظيع ومروّع تسيطر عليه الميليشيات الكرواتية في البوسنة، وكنت أنت المكلّف بوضع لائحة الأسماء فكيف تختار؟
كان هزان مع فريق من العاملين في المجال الإنساني الذين اضطروا إلى القيام بذلك بالقرب من موستار في عام 1993. ويصف الظروف المروعة لاحتجاز السجناء الذين كانوا يعانون من الهزال الشديد، وذلك الشعور الذي انتابه عند إدراكه أن من لم يستطع تحريره من السجناء قد يلقى حتفه، ناهيك عن مقاربة ضابط المعسكر الساخرة والمستهزئة في إبداء رغبته في الإفراج فقط عن المعتقلين “الذين لا قيمة لهم” (ممن ليس لهم، على سبيل المثال، أقارب في ألمانيا أو النمسا أو سويسرا قد يدفعون فدية مقابل الإفراج عنهم). في نهاية المطاف، لم يتم التوصل إلى اتفاق حاسم، وبصورة مفاجئة، انتفض الضابط رافضاً عملية الإفراج برمّتها. وبقيت الحافلات التي أرسلت لتجميع المعتقلين المفرج عنهم خاوية.
يقول هزان إن هذه الواقعة كانت بمثابة نقطة تحول أخلاقية بالنسبة له. ويكتب معبّراً عن ذلك: “خلال تلك الأيام القليلة، أدركت كيف أن هذه المسؤولية الأخلاقية، التي تسعى إلى تعديل الوسائل وفقاً للهدف المنشود، يمكن أن تشكّل عبئاً ثقيلاً، نتيجة كل العواقب الوخيمة التي يمكن أن تنتج عنها”.
إن تعريف وساطة السلام هو تعريف واسع. ويقول هزان في هذا الإطار: “تجري الوساطة بشكل أساسي عندما يتدخل طرف ثالث من أجل تقديم نوع من الحل للنزاع القائم بين طرفيْن، أو للحد من عواقب النزاع على السكان العزّل”. على سبيل المثال، ساهمت كل من النرويج وكوبا في إجراء وساطة أسفرت عن ابرام اتفاق السلام عام 2016 في كولومبيا بين الحكومة ومتمردي القوات المسلحة الثورية لكولومبيا. وفي جمهورية إفريقيا الوسطى أثناء الجائحة، ساهم مركز الحوار الإنساني في التوسط مع مختلف الأطراف، للوصول إلى المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة بغية التمكّن من تلقيح السكان.
وساطة سويسرية تحديداً
وعند سؤاله عن نظرته العامة إلى وسطاء النزاع السويسريين، يقول ماسون إن الأمر يعتمد على ما إذا كنت تتبنّى التعريف الواسع أو الضيق للوساطة. فإذا شمل التعريف الجهود المتعلّقة بدعم الوساطة وتعزيز السلام، فيمكن عندئذ التحدّث عن العديد من المنظمات المعنية والتي تركز على الأبحاث مثل مركز الدراسات الأمنية CSS ومؤسسة السلام السويسرية swisspeace رابط خارجي (يوفر مركز الدراسات الأمنية أيضاً برامج تدريب للوسطاء، وتقدم مؤسسة السلام السويسرية الدعم، على سبيل المثال، لمبادرة سلام المجتمع المدني السوري في جنيفرابط خارجي). كما يوفر مركز جنيف للسياسات الأمنية GCSPرابط خارجي مساحة للحوار حول قضايا بناء السلام، بينما تقدم مؤسسة “بيسنكسوس” Peacenexus ومعهد قرطبة للسلامرابط خارجي الدعم لقدرات بناء السلام في أجزاء مختلفة من العالم. وتقع مقرات معظم هذه الجهات الفاعلة على هذا الصعيد في جنيف، باستثناء مركز الدراسات الأمنية الذي يتخذ من زيورخ مقراً له ومؤسسة السلام السويسرية التي تعمل من بازل.
وهناك تخصصات ومجالات تركيز مختلفة، يروق لجوفيندا كلايتون، وهو باحث بارز في عمليات السلام ويعمل أيضاً في مركز الدراسات الأمنية CSS، تسميتها “بالمنظومة العاملة من أجل تعزيز السلام”.
فمنظمة “إنتربيس” Interpeace على سبيل المثال، تهدف إلى التكيف مع السياقات المحلية و”الاستثمار على المدى الطويل ومواكبة عملية السلام، في محاولة لإيجاد الوسائل والطرق الآيلة لجعل المجتمعات أو الأفراد يبنون جسور العيش المشترك من جديد”، على حد تعبير رينيه لاريفيير مديرة إدارة البرامج في “إنتربيس”Interpeace . وتضرب لاريفيير مثالاً لبرنامج المنظمة في كينيا، حيث تعمل مع لجنة الوئام والتكامل الوطنية لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار في مثلث مانديرا المتاخم لإثيوبيا والصومال. ولهذه المنطقة تاريخها الطويل في الصراع العنيف بين العشائر والمجتمعات المختلفة. وتعتبر لاريفيير أن تكليف لجان محلية ووسطاء محليين بمراقبة وقف إطلاق النار، ساهم في استمرار صمود عملية السلام، وتحسّن العلاقات بين مختلف العشائر في هذه المنطقة.
وقد تلعب المنظمات غير الحكومية دوراً، بطريقة أو بأخرى، في جميع مراحل عملية السلام. “المنظمات غير الحكومية فعّالة ومرنة، لكنها غالباً ما تفتقر إلى النفوذ أو الشرعية الديمقراطية اللازمة لاستمرار جهود الوساطة في مواجهة النزاعات السياسية”، بحسب ما جاء في تقرير تعيين الوسطاءرابط خارجي الصادر عن مركز الدراسات الأمنية CSS لعام 2011 والذي شارك ماسون في تأليفه. “يبدو أن ميزة هذه المنظمات الرئيسية تكمن في مرحلة ما قبل التفاوض، وفي دعم المفاوضات والعمل على وضع نتائجها حيّز التنفيذ”.
التوسط من أجل السلام في أوكرانيا
إن أكبر صراع يشغل بال الجميع اليوم هو الصراع في أوكرانيا، وليس هناك بعد ما يشير إلى أن موسكو أو كييف على استعداد للجلوس إلى طاولة المفاوضات. ومع ذلك، فقد عمل الوسطاء فعلياً وراء الكواليس في محاولة للحد من المعاناة الإنسانية؛ حيث سهلت تركيا والسعودية عملية تبادل سجناء شملت رعايا أجانب. وبحسب ما أوردته جهات معنية، لعب مركز الحوار الإنساني دوراً في مسار صفقة حبوب البحر الأسودرابط خارجي؛ حيث سمح بوصول شحنات الحبوب الأوكرانية إلى البلدان المحتاجة، ولا سيما في إفريقيا.
كما شارك كلايتون من مركز الدراسات الأمنية CSS في تأليف تقرير حديث حول سبب توقف أطراف النزاع عن القتالرابط خارجي. ويستند إلى تحليل أكثر من 2000 اتفاق لوقف إطلاق النار حول العالم في الفترة الواقعة بين عاميْ 1989 و2020. وبالرغم من أن التقرير يركز على النزاعات الداخلية التي كانت سائدة خلال هذه الفترة، إلا أن كلايتون يعتقد أنه قد يحمل أيضاً بعض المؤشرات بشأن الحرب الأوكرانية – الروسية.
ويعتبر كلايتون أن إحدى النتائج الرئيسية التي توصّل إليها هذا البحث تكمن في أن وقف إطلاق النار هو في جوهره ثمرة ترتيبات سياسية، مما يعني أن الاتفاقات لوقف العنف تعتمد على مسار التقدم في المفاوضات بشأن القضايا الرئيسية العالقة بين الأطراف المتنازعة. كما يلاحظ أيضاً أنه عندما لا تتمكن الأطراف من الاتفاق على وقف إطلاق النار في المراحل الأولى من الصراع، فإن المسألة للأسف، تزداد تعقيداً وغالباً ما تستغرق عملية التوصل إلى ترتيب التهدئة سنوات عديدة.
وتقول لاريفيير من منظمة “إنتربيس” إنه في أوكرانيا، كانت هناك شبكة من الوسطاء المحليين المدرّبين الذين يعملون في المنطقة حتى قبل بدء الحرب في 24 فبراير من هذا العام، وكان عملهم يتركّز بشكل خاص على تسهيل اندماج النازحين داخلياً، ومنهم أولئك الناطقين بالروسية، الذين يعيشون في المجتمعات المحلية.
وتضيف:”إن العمل الذي يقوم به الوسطاء محلياً هو أمر حيوي لضمان استمرار وجود نسيج اجتماعي قوي، وتعزيز الشعور بالترابط الاجتماعي ومرونة المجتمعات المحلية لأننا كنا نلاحظ مراراً بعد توقف الحرب، إمكانية اندلاع الاشتباكات من جديد، في حال عدم وجود الأرضية المؤاتية لتعزيز الترابط الاجتماعي، أو في حال عدم وجود شبكة من الأشخاص الذين يمكنهم المساعدة في الوساطة على أرض الواقع”.
على الرغم من أن عملية السلام في أوكرانيا تبدو بعيدة المنال، إلا أن هناك فعلياً بعض الجهود التي تُبذل في هذا الشأن وراء الكواليس، من أجل التمهيد للقيام بهذه العملية.
المصدر: سويس إنفو | جنيف الدولية: وسيط السلام بين مقوّمات النجاح ومعضلة الأخلاق



